الشيخ محمد رشيد رضا

136

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وكان هذا الحكم في بدء الاسلام فنسخ بآية المواريث وبقوله عليه السّلام « ان اللّه أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث » وفيه نظر لان آية المواريث لا تعارضه بل تؤكده من حيث إنها تدل على تقديم الوصية مطلقا ، والحديث من الآحاد ، وتلقي الأمة له بالقبول لا يلحقه بالمتواتر اه أي والظني من الحديث لا ينسخ القطعي منه فكيف ينسخ القرآن ، وكله قطعي ؟ وقد زاد الأستاذ الامام عليه القول بأنه لا دليل على أن آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا ، وبأن السياق ينافي النسخ ، فان اللّه تعالى إذا شرع للناس حكما وعلم أنه مؤقت وانه سينسخه بعد زمن قريب فإنه لا يؤكده ويوثقه بمثل ما أكد به أمر الوصية هنا من كونه حقا على المتقين ، ومن وعيد من بدله ، وبامكان الجمع بين الآيتين إذا قلنا إن الوصية في آية المواريث مخصوصة بغير الوارث ، بأن يخص القريب هنا بالممنوع من الإرث ولو بسبب اختلاف الدين ، فإذا أسلم الكافر وحضرته الوفاة ووالداه كافران فله أن يوصي لهما بما يؤلف به قلوبهما ، وقد أوصى اللّه تعالى بحسن معاملة الوالدين وإن كانا كافرين ( 29 : 8 وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً ، وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما ) الآية ، وفي آية لقمان بعد الأمر بالشكر للّه ولهما ( 31 : 15 وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ) الآية . أفلا يحسن أن يختم هذه المصاحبة بالمعروف بالوصية لهما بشيء من ماله الكثير ( قال ) وجوز بعض السلف الوصية للوارث نفسه بأن يخص بها من يراه أحوج من الورثة كأن يكون بعضهم غنيا والبعض الآخر فقيرا : مثال ذلك أن يطلق أبوه أمه وهو غني وهي لا عائل لها إلا ولدها ويرى أن ما يصيها من التركة لا يكفيها . ومثله أن يكون بعض ولده أو اخوته - إن لم يكن له ولد - عاجزا عن الكسب فنحن نرى ان الحكيم الخبير اللطيف بعباده ، الذي وضع الشريعة والاحكام لمصلحة خلقه ، لا يحتم أن يساوي الغني الفقير ، والقادر على الكسب من يعجز عنه ، فإذا كان قد وضع أحكام المواريث العادلة على أساس التساوي بين الطبقات باعتبار أنهم سواسية في الحاجة ، كما أنهم سواء في القرابة ، فلا غرو أن يجعل أمر الوصية مقدما على أمر الإرث ، أو يجعل